عبد الملك الجويني
159
نهاية المطلب في دراية المذهب
منه يشعر بانشراح صدره للطلاق ، ولا يتميز طلقة عن طلقة ، وليس كامرأتين ، يضم إحداهما إلى الأخرى . نعم ، إذا أجبره على الثلاث ، فطلق واحدةً ، فهذا فيه من الاحتمال ما فيه إذا أجبره على تطليق نسوةٍ ، فطلّق واحدةً . 9103 - ثم قال الأئمة : الهازل بالطلاق يقع طلاقه ، وهو الذي يقصد اللفظ دون المعنى ، وليس هو الذي يقصد طلاقاً عن وِثاقٍ ، فمطلَقُ اللفظ من الهازل يوقع الطلاق ظاهراً وباطناً ، ولا يُلحقه بالذي ينوي طلاقاً عن وثاق ، فإن نواه في هَزلِه باللفظ دُيّن ، فإن الجادَّ يُدَيّن ، فالهازل في معنى الجادِّ . 9104 - وأما اللاغي ، فلا يقع طلاقه ، وهو الذي يبدُر منه لفظ الطلاق من غير قصدٍ ، فلا يقع طلاقه . وهذا في تصويره فقهٌ ؛ فإن الرجل إذا سمعناه يتلفظ بالطلاق ، ثم ادّعى أنه كان لاغياً ، فقد لا يُقبل ذلك منه ظاهراً وإن كان مقبولاً باطناً لو كان صادقاً ، فصوّر الأصحاب اللّغوَ على [ نيته ] ( 1 ) فقالوا : إذا كان اسم زوجته طاهرة ، فقال : يا طالقة ، وذكر أن هذا سبق إلى لسانه ، وانقلب لسانه في بعض حروف اسمها ، فقرينة الحال قد تصدّقه ، فقال الأصحاب : إن ادعى اللّغوَ والحالة هذه ، صُدِّق . ولو اقترن بقوله : أنت طالق حَلُّ وِثاق ، ثم زعم أنّه أراد بالطلاق أنها محلولة الوثاق ، ففي [ قبول ] ( 2 ) ذلك وجهان ، والسبب فيه أن لفظ الطلاق مستنكر مع هذه الحالة ، فإن العاقد لا يختار إطلاق هذا اللفظ ، والمسألة مفروضة في اختيار اللفظ ، فأما التفات اللسان في حرفٍ مع ظهور القرينة ، فلا وجه إلا القطع بقبوله . ووصل أصحابنا بهذا أن امرأته لو كان اسمها طالقة فقال : يا طالقة ، وهو يقصد نداءها ، لم يقع الطلاق ، وكذلك لو كان اسم العبد حرّاً ، فقال مولاه يا حرّ ، وقصد النداء ، لم يُقضَ بوقوع العَتاق ، ولو قصد الطلاق ، وقع الطلاق ، ولو أطلق اللفظ ولا يقصد نداءً ولا إنشاءَ طلاق .
--> ( 1 ) مكان كلمة تعذرت قراءتها ( انظر صورتها ) . ( 2 ) في الأصل : قبوله .